الى آخر مما يزيد من الضغط اكثرعلى البلدان المستوردة التي تعاني من شح الإنتاج الوطني مما ينتج عنه ارتفاع في فاتورة الواردات واختلال الميزان الطاقي وهو الوضع الذي تعيشه تونس منذ بداية ارتفاع الأسعار وتسجيل فارق بين فرضية الميزانية وحقيقة السوق العالمية.
إن تراجع الإنتاج المحلي الى 25.4 الف برميل في موفى جوان 2026 يفوت على تونس مكاسب نتيجة ارتفاع الأسعار العالمية غير أن طبيعة الميزان الطاقي التونسي، القائمة على تراجع الإنتاج المحلي واتساع الحاجة إلى التوريد، تجعل النتائج وقعها سلبي على تونس خصوصاً عندما تتجاوز الأسعار الفعلية الفرضيات التي بنيت عليها ميزانية الدولة.
وتكتسب هذه المسألة أهمية أكبر خلال سنة 2026، إذ قامت فرضية إعداد الميزانية على فرضية سعر في حدود 63.3 دولارا للبرميل، بينما بلغ سعر برنت 92.6 دولاراً للبرميل في نهاية جوان. ويعني ذلك فارقاً قدره 29.3 دولارا، أي أن الارتفاع كان ب 46% مما يمثل ضغط مباشر على كلفة الطاقة .
ترتفع التبعية الطاقية لتونس مما يجعل لارتفاع السعر العالمي تاثيرا مباشرا على قيمة مشترياتها من المواد الطاقية. وتظهر هذه العلاقة بوضوح في تطور الاستقلالية الطاقية، التي تراجعت إلى حوالي 34 % خلال جوان 2026، مقابل نحو 38 % في الفترة نفسها من العام الفارط.
وتكشف المعطيات ايضا عن ان قيمة واردات الطاقة بنحو 38% مقارنة بالفترة نفسها من سنة 2025. كما بلغ العجز التجاري الطاقي حوالي 7 مليار دينار مقابل نحو 5.2 مليار دينار خلال الفترة نفسها من السنة السابقة. ويبرز هذا التطور هشاشة الاقتصاد التونسي أمام تقلبات أسعار الطاقة.
ويعني انخفاض الإنتاج الوطني أن تونس تستفيد بدرجة أقل من الجانب الإيجابي لارتفاع الأسعار. فعندما يرتفع سعر النفط، فإن الدولة أو الشركات المنتجة يمكن أن تحقق مداخيل أكبر عن كل برميل يتم إنتاجه، لكن انخفاض عدد البراميل المنتجة يقلص هذه المكاسب. بلغ العجز في الميزان الطاقي إلى موفى جوان حوالي 3.1 مليون طن مكافئ نفط، مع تسجيل زيادة مقارنة بالفترة نفسها من سنة 2025.
وهنا تصبح مشكلة تونس هيكلية أكثر منها ظرفية. فحتى لو تراجعت أسعار النفط العالمية لاحقاً، فإن استمرار ضعف الإنتاج المحلي يعني بقاء الحاجة إلى التوريد، وبالتالي استمرار تعرض الاقتصاد لتقلبات الأسعار الخارجية. تظهر آثار ارتفاع أسعار النفط أيضاً في المالية العمومية، لأن الدولة مطالبة بالحفاظ على توازن بين أسعار الطاقة في السوق العالمية والأسعار المعتمدة محلياً.
وعندما تتجاوز الأسعار العالمية الفرضية التي بنيت عليها الميزانية، ترتفع كلفة توريد المحروقات. وإذا لم يتم تمرير الزيادة كاملة إلى المستهلك، فإن جزءاً من الفارق تتحمله المالية العمومية من خلال آليات الدعم أو من خلال تحمل مؤسسات عمومية جزءاً من الكلفة. وتصبح المسألة أكثر حساسية عندما يكون السعر العالمي عند 92.6 دولاراً مقابل فرضية ميزانية تبلغ 63.3 دولارا. وتفرض هذه المعادلة على تونس التعامل مع الطاقة باعتبارها قضية اقتصادية تتجاوز قطاع المحروقات. فرفع الإنتاج الوطني، تطوير الطاقات المتجددة، تحسين النجاعة الطاقية والحد من استهلاك المحروقات المستوردة تمثل كلها أدوات لتقليص أثر الصدمات النفطية على الاقتصاد.